حين يكون إطلاق الرصاص أقوى من دروس التربية


في ذلك اليوم الّذي بدا فيه الغروب مستعجلًا ليختفي خلف أفق إحدى بلدات المثلّث، التقيت أحمد (اسم مستعار) في مكان غلب عليه السكون. لم يكن هناك سوى صوت محرّك سيّارة “سكودا” سوداء اللون تقطع صمت المكان. كان أحمد يرتدي قبّعة سوداء وملابس مظلمة تكاد تمتزج مع الظلال المحيطة، وكأنّه يندمج مع الخلفيّة القاتمة للمشهد.

وقف يتأمّل الفراغ بعينين تخفي وراءها قصصًا لا تروى إلّا بتردّد. هذا اللقاء لم يكن مجرّد مواجهة عابرة، بل كان فرصة لاستكشاف أعماق دوافع شابّ اختار طريق العصابات الجنائيّة في المجتمع العربيّ، محاولًا فهم ما دفعه لذلك الطريق المسدود، الّذي يراه هو، شرعيًّا.

على الرغم من أنّ أحمد حكم عليه بالسجن لمدّة 6 أعوام على خلفيّة تجارة الأسلحة وتصنيعها، وهو الآن في مرحلة تأهيل من قبل سلطة السجون، إلّا أنّه حتّى الآن لا يزال يعيش في هذه الفقّاعة، في محاولة الخروج من هذا العالم، الّذي يأبى أن يخرج منه وكأنّه أقوى منه ومن الظروف.

“شعرت أنّني غريب في الحارة” قال حين سألته عن السبب الأوّل لوصوله لعضو داخل عصابة. وهذا قد يكون السبب الأوّل الّذي دفعه نحو البحث عن الانتماء إلى أحضان مجموعات بدت وكأنّها تقدّم له ذلك الأمان المفقود، أو الهويّة المفقودة.

التقيت أحمد وثلاثة شبّان آخرين خلال دراسة أعدّها ضمن دراستي. جزء منهم كانوا ولا يزالون داخل العصابات، وجزء منهم رغم حياتهم الفارهة ظاهريًّا، يقبعون تحت وطأة الندم والخيبة، وهو ما يؤكّد كم هو معقّد هذا المسار الّذي يبدو للوهلة الأولى ملاذًا، لكنّه سرعان ما يتحوّل إلى مصيدة تقتنص أرواحهم وأرواح أقربائهم، وأحلامهم.

أتحدّث اليوم عن شابّ قد تكون له مواصفات خاصّة ليست كما الّتي اعتدنا أن نتخيّلها حين نسمع عن شابّ منخرط في عالم العصابات والجنائيّات، وكانت له نشأة كما لو لم نتوقّعها أيضًا حين نتحدّث عن لجوء الشباب المشاركة في الأعمال الجنائيّة وخاصّة في مجموعات. أحمد نشأ في عائلة قدّمت له كلّ الدعم، ووالده لم يتوان في شيء لأن يكون مستقبله بعيدًا عن هذا العالم. ولم يكن انضمامه إلى العصابة بسبب المال.

في المقال، سأسرد الطريق الّتي سلكها أحمد، والّتي شكّلت عنده اضطراب الشخصيّة المعادية للمجتمع، والّتي أودت به إلى هذا العالم بطرق مختلفة. وسنحاول معًا فهم عقل شابّ نشأ في بيئة صعبة، ولكن في عائلة داعمة، وسأبيّن كيف تكون البيئة أقوى من العائلة في كثير من الأحيان، ولكن من المهمّ أن نفهم أنّه ليس للحصر.

على الصعيد الشخصيّ، رأيت في أحمد شابًّا طموحًا، طيّب القلب، لديه مبادئ ويهتمّ بعائلته، وعلى دراية بكلّ ما يدور في المجتمع في الجانبين السياسيّ والاجتماعيّ. ولمست فيه الشعور بتأنيب الضمير نتيجة تعارض الأفعال الجنائيّة مع المبادئ الّتي غرستها عائلته فيه.

الطفولة المبكّرة والمراهقة: أسرة طبيعيّة وتأثيرات بيئيّة

ولد أحمد في أسرة طبيعيّة مع والدين داعمين ومحبّين له. حصل على كلّ الدعم العاطفيّ اللازم، ونشأ كطفل عاديّ دون صدمات تذكر داخل العائلة، وحرص والداه على تربيته على القيم واحترام الآخرين. وركّزا على توفير تعليم جيّد ونشأة سلوك اجتماعيّ سليم.

نشأ أحمد في حيّ خطير مليء بالجريمة والعنف، خاصّة أنّ في الحيّ الّذي كان يقطن فيه عملت عصابة تعاملت في الأعمال الجنائيّة الخطيرة، على بعد أمتار، كان أحمد يرى الشبّان يحملون الأسلحة، يطلقون النار في الهواء، ويركبون السيّارات الّتي كان يتمنّاها. كان الشارع الّذي يعيش فيه مكانًا تنتشر فيه تجارة السلاح والمخدّرات، وكان هناك العديد من الشباب ينتهكون القانون بكلّ أريحيّة، لأن لا قانون في هذا الحيّ. ومع مرور الوقت، تعرّض أحمد للضغط الاجتماعيّ من أصدقائه في الحيّ ممّن كانوا متورّطين في الأنشطة الجنائيّة. وتلك الضغوط أدّت إلى أن يفكّر أحمد في الانتماء إلى المجموعة والقبول من أصدقائه. ولم تكن الضغوط هي وحدها الّتي أدّت إلى هذا التفكير، إنّما الانبهار أيضًا بحياة العصابة، ومظاهر القوّة.

في الأحياء الّتي توجد فيها العصابات، يتعرّض الشباب لضغوط من أصدقائهم أو أقربائهم للانضمام إلى هذه المجموعات كوسيلة للحماية وكسب الاحترام، بعكس ما يعتقده الكثيرون أنّ انضمام الشباب ينحصر في الحاجة إلى المال وحياة الرفاه، الانضمام إلى العصابات يمكن أن ينظر إليه كوسيلة للحصول على القبول والاعتراف في مجتمع يعاني الكثير من شبابه في اهتزاز الهويّة.

بدأ أحمد الانخراط في سلوكيّات إجراميّة بسيطة بتأثير من أصدقائه في الحيّ. في البداية كانت سرقات صغيرة أو أعمال تخريب، مع العلم أنّ أحمد لم يكن بحاجة إلى المال ليسرق، إذ كان المال متوفّرًا لديه من والديه، ولكن، لم يكن أحد يريد أن يرى في عيون أصدقائه في الحيّ أنّه جبان أو غريب عنهم، وأراد مجرّد الموافقة معهم، ليحصل على اعتراف مجتمعيّ، ليكون جزءًا من هذه الهويّة الّتي تشكّلت في الحيّ. حاول والدا أحمد إيقاف تدهوره بعد أن شكّوا في سلوكه، لكنّ الضغط الاجتماعيّ والشعور بالانتماء كانا أقوى منهما، وعلى إثر ذلك، نشأت صراعات داخل الأسرة الّتي شعرت بالعجز أمام تأثير البيئة في نهاية المطاف.

تعميق السلوك المعادي للمجتمع

مع مرور الوقت، بدأ أحمد الانخراط في جرائم أكثر خطورة، مثل أعمال العنف، إطلاق النار، حمل السلاح والاتّجار به، وجرائم أخرى. تشوّهت عنده أنماط التفكير بفعل تأثير البيئة، وطوّر شعورًا بالتفوّق وانعدام التعاطف تجاه الآخرين كلّما ارتفعت وتيرة الجرائم، الّتي زادت شعور القوّة والعظمة لديه.

استقرّ سلوك احمد المعادي للمجتمع، وأصبح شابًّا منخرطًا بالأعمال الجنائيّة المختلفة بشكل مزمن، تحوّل هذا السلوك إلى نمط حياة يوميّ، وذلك رغم استمرار والديه في محاولة مساعدته، كان تأثير البيئة قويًّا جدًّا. بعد ارتكاب جرائم جنائيّة خطيرة، خضع أحمد لتشخيص نفسيّ، وحصل على تشخيص اضطراب الشخصيّة المعادية للمجتمع بدرجات متوسّطة.

حين يكون إطلاق الرصاص أقوى من دروس التربية

تلعب البيئة الاجتماعيّة الّتي ينشأ فيها الشابّ دورًا مهمًّا في تطوّره المستقبليّ. حتّى إذا كانت الأسرة طبيعيّة وداعمة بما فيه الكفاية، يمكن أن تؤثّر البيئة الخطرة والمليئة شوارعها بالجريمة والسلوك الإجراميّ، بشكل سلبيّ على الطفل، وتسهم في تطوير سلوكيّات معادية للمجتمع واضطراب الشخصيّة المعادية للمجتمع (ASPD). يمكن أن يكون الضغط الاجتماعيّ، والحاجة إلى الانتماء وتأثير الشخصيّات الاجتماعيّة القريبة من الشابّ، أقوى من تأثير الأسرة.

إنّ الانضمام إلى العصابة أو مجموعة شباب تتعامل في الأنشطة الجنائيّة يوفّر شعورًا بالانتماء والأمان، يُشعر الشابّ بأنّه جزء من مجموعة قويّة يمكنها حمايته، كذلك يفكّر غالبيّة أعضاء هذه العصابة الّذين يشبهون أحمد، بالإضافة إلى أنّها توفّر هويّة جماعيّة تعزّز من شعور الفرد بالقوّة والتماسك.

الاعتراف والقبول أحد الأسباب الرئيسيّة لانخراط الشباب في هذا العالم، العصابة توفّر لهم بيئة يمكنهم فيها الحصول على التقدير والاحترام من أصدقائهم، في الحيّ، في المقهى وفي البلدة، وقد تكون وسيلة للحصول على الاعتراف والمكانة في المجتمع الّذي يعاني الفقر والإهمال المؤسّساتيّ بفعل السياسات الإسرائيليّة.

قد يكون الدعم الأسريّ في بعض الأحيان غير كافٍ، وقد تكون البيئة أقوى، وقد يكون صوت إطلاق الرصاص في الحيّ، وصوت تفحيط سيّارة “السكودا”، أقوى من درس التربية، والجغرافيا والتاريخ. وهنا تكمن الحاجة، في توفير الدعم المناسب من الأسرة والبيئة الاجتماعيّة على حدّ سواء، لمنع التدهور إلى السلوك الإجراميّ والعصابات.





Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.