أهمُّها استقالة أهارون باراك…


استقال قائد فرقة غزة العميد آفي روزنفيلد، معلّلا سبب استقالته بأنّه لم يستطع حماية ما يسمى “غلاف غزّة”، ورغم مرور ثمانية أشهر من القتال والمجازر اليومية، لم يُحقّق إعادة الهدوء إلى غلاف غزة، بل وأبعد من غلاف غزة.

المجازر حوّلت إسرائيل من دولة مقبولة عالميًا، سعى كثيرون لإقامة علاقات تجارية واقتصادية وعسكرية وثقافية وغيرها معها، رافق هذا تجاهل وتهميش للقضية الفلسطينية، إلى دولة منبوذة على صعيد شعبي ورسمي عالميًا إلا لدى قلّة من حكومات تدور في فلك أمريكا، وبات قادتها وعلى رأسهم بيبي نتنياهو مطلوبين إلى العدالة الدولية بتهمة ارتكاب مجازر ضد الإنسانية.

كذلك استقال الجنرالان بيني غانتس وغادي أيزنكوت من حكومة الطوارئ التي انضما إليها بعد السابع من أكتوبر، وعلّلا استقالتهما بأنّ نتنياهو لا ينطلق في قراراته من مصلحة إسرائيل العليا، بل من دوافع شخصية، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي الصهيوني جو بايدن مشجّعًا بهذا جانتس وشركاءه على اتخاذ قرار ترك نتنياهو، استقالتهما جاءت بعد مئات المجازر التي شاركا فيها، وبعد أن كانا شركاء في تجويع وقتل عشرات آلاف المدنيين معظمهم من الأطفال.

أكثر الاستقالات المُلفتة، هي استقالة القاضي أهارون باراك الذي شغل منصب الرئيس الأسبق لمحكمة العدل العليا في إسرائيل، وهو شخصية معروفة في الأوساط القانونية دوليًا.

ذهب أهارون باراك في مهمة “وطنية” كلّفه بها نتنياهو، لحماية دولة إسرائيل من تهمة العار والخزي المؤبّد.

أراد أهرون باراك دفع التهمة التي جَمعت أدلتها، وقدمتها جنوب أفريقيا، تبعتها وانضمت إليها عدد من الدول، وأكثر من ألف مؤسسة وجمعية عالمية، وقد علّل باراك استقالته بسبب أمور شخصية وعائلية.

قد يكون للتقدّم في السّن تأثيره الصحي على قرار باراك، ولكن أكثر الظن أنّه استقال؛ لأنّه أدرك بأنّ دفاعه خاسر، وأنّه لن ينجح في الدفاع عن مجرمي حرب حقيقيين، وما زالوا يمارسون هذه الجرائم بالمنهجية والإصرار نفسه منذ بداية الحرب، مستهترتين بمحكمتي الجنايات العدل الدوليّتين، أدرك باراك أنّه ينفخ في قربة مثقوبة، مهما حاول التخفيف من هول الجرائم، فإن مجرمي الحرب يخرّبون ويهدمون ما يمكن أن يبنيه في دفاعه، أدرك أهرون باراك أنّه يمارس دوراً ممثلاً لمجرمين لا يعبأون بأيّ قانون، وإذا كان في بداية قراره بعض الغموض؛ بسبب هول ضربة السّابع من أكتوبر، فإنّ الأمور بعد شهور باتت واضحة، ولا يمكن الدفاع عنها، مثل تجويع وتعطيش المدنيين وقتلهم الأمر الذي يعني أنّ دفاعه يجعله شريكًا مع مجرمي حرب لا يعيرون اهتمامًا لشيء، لا لسمعة إسرائيل، ولا إلى مصير الأسرى والرهائن، ولا إلى حجم الجرائم بحق المدنيين التي يرتكبونها، ولا إلى النتائج المترتبة على ذلك.

القاضي أهرون باراك بات غير مقتنع في دفاعه عن أصحاب القرار، الذين أعلنوا ويعلنون في كل فرصة أنّه لا أبرياء في قطاع غزة، ويشرعنون قتل الحياة فيه، بما في ذلك النساء والأطفال والرّجال المدنيين، وهدم كل المؤسسات المدنية، وهي جرائم حرب، وعلى رؤوس الأشهاد.

كذلك فإنّ ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة وهو ما عرف بتهريجه أكثر من كونه رجل سياسة، يقف أمام أعلى منبر دولي، ويخاطب العالم من كزعيم عصابة، فقد كان كل منطقه متمركزًا حول وصف حماس والفلسطينيين، ومن يؤيدهم بالإرهاب وحتى النازية،وكل من يعترض على سياسة دولته باللاسامية، حتى باتت الأمم المتّحدة، وكل مؤسساتها وسكرتيرها العام أنطونيو غوتريتش متّهمين، بما في ذلك منظمة الأونروا بالإرهاب واللاسامية.

أحد أهم القرارات الدولية هو إدراج اسم إسرائيل إلى قائمة العار السّوداء، وهي قائمة الدولة والتنظيمات التي تعتدي وتقتل الأطفال، وتدمّر المدارس والمستشفيات، وقد تعاملت قيادة الاحتلال مع هذه الإدانة المخزية، باتهام الأمم المتحدة وأمينها العام باللاسامية، وبدعم الإرهاب، وزعم نتنياهو أنّ جيش إسرائيل هو الأكثر أخلاقية في العالم، وأن غوتريتش وضع نفسه في قائمة العار بهذا القرار.

تهمة اللاسامية التي يشهرونها في وجوه معارضي سياستهم تعرّت تمامًا في هذه الحرب، وأزيل الكثير من الضّبابية حول مصطلحات طالما استخدمت للهجوم على معارضي الاحتلال والأيدولوجيا الصهيونية ونظريات وممارسات الاستعلاء العرقي، لا سيّما على العرب والفلسطينيين ومحاولات دمغ الإسلام بالإرهاب.

في آخر مُجريات حرب الإبادة، جرى إخراج أربعة أسرى من مخيم النصيرات، وقد ظهر من ملامح الأسرى وتصرّفاتهم أنّ معاناتهم الأشدّ كانت خشية من القصف الإسرائيلي العشوائي بالذات وأكثر من خوفهم من آسريهم.

حاول ويحاول نتنياهو أن يجيّر استعادة أربع رهائن إلى نصر كبير، يشرعن من خلاله رفضه لوقف إطلاق النار، متجاهلا مصرع ثلاث رهائن آخرين خلال العملية “البطولية”، وطبعًا من غير التفات إلى أعداد المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا بالمئات، أكثرهم من النساء والأطفال.

ورغم تمثيليات نتنياهو يبقى الواقع جليّا وقويًا، وهو أنّه كان بالإمكان تحرير عشرات الرّهائن المدنيين من غير هذه الأثمان الباهظة، ومن غير تدخّل بريطاني أمريكي، ومن غير مذبحة للمدنيين الفلسطينيين، ومن غير مقتل رهائن آخرين.

كان يمكن إطلاق سراحهم منذ بداية الحرب بثمن بسيط جدًا، وهو ما حصل خلال صفقة التبادل التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وهذا ما يؤكّده بعض قادة جيش الاحتلال، ومنهم ضابط الاحتياط دورون هدار، خلال مقابلة معه لصحيفة يديعوت أحرونوت، حيث قال إنه كان يمكن استعادة كل المدنيين منذ بداية الحرب، تقريبًا من غير ثمن يُذكر.

يحاول نتنياهو وعصابته تهويل عملية تحرير الأربعة ووصفها بالانتصار العظيم، ولكن عشرات آلاف الذين خرجوا للتظاهر مطالبين بصفقة تضمن إنقاذ بقية الأسرى والرهائن، كانوا الجواب، فهم يدركون أنّ هذا ليس انتصارًا، بل ذريعة نتنياهو لاستمرار الحرب، ولن يكون تحريرًا لأكثر الرهائن والأسرى وهم أحياء، إلا من خلال صفقة وهدنة طويلة الأمد، لا يوجد انتصار، ولم يعد سوى دمار قطاع غزّة وعار الاحتلال، وتهم الإبادة وجرائم الحرب الموجّهة إلى قادته في محكمة العدل الدولية، وفي محاكة تاريخ شعبنا الفلسطيني وشعوب المنطقة والعالم أجمع.





Source link

Leave A Reply

Your email address will not be published.