نبدأ أحيانًا بشيء صغير نحبه. فكرة نكتبها أو معرفة نبحث عنها أو تجربة نشعر أنها تشبهنا. نمنحها وقتنا لأننا نجد فيها متعة ومعنى. ثم تكبر الأحلام حولها وتزداد توقعاتنا منها حتى نبدأ في سؤال أنفسنا عن الإنجاز أكثر مما نسأل عن الشعور الذي قادنا إليها.
ومع الوقت قد يتحول ما كان يمنحنا الراحة إلى مصدر للقلق. ننتظر نتيجة تؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح ونراقب تقدم الآخرين ونحسب المسافة التي تفصلنا عما تمنيناه. وفي انشغالنا بالوصول قد نغفل عن التعب الذي نحمله في الطريق.
فكيف نواصل السعي وراء ما نحب ونمنح أنفسنا في الوقت نفسه حقها في الراحة والتغيّر؟
حين نحمّل الشغف أكثر مما يحتمل
قد ننتظر من شغفنا أن يمنحنا السعادة والدخل والتقدير والإحساس بقيمتنا دفعة واحدة. وحين يتأخر أحد هذه الأمور نشعر بأن التجربة لم تنجح أو أننا لم نكن بالقدرة التي تخيلناها.
لكن العمل الذي نحبه يحمل أيضًا تفاصيل متعبة وأيامًا عادية ومحاولات تحتاج إلى مراجعة. فالكتابة مثلًا تبدأ بفكرة قريبة من القلب ثم تحتاج إلى وقت وصبر وحذف وإعادة صياغة. وقد نحب التعلم ونشعر مع ذلك بثقل الدراسة ومتطلباتها.
وجود التعب لا يكفي وحده للحكم على الطريق. الأهم أن ننتبه إلى أثره فينا وأن نميّز بين جهد نستطيع التعافي منه واستنزاف يتراكم حتى يبعدنا عن أنفسنا وعن الأشياء التي نحبها.
ما الذي تخبرنا به العثرات؟
حين تتعثر محاولة يسهل أن نختصر التجربة كلها في حكم قاسٍ على أنفسنا. نقول إننا لا نصلح لهذا المجال أو إننا بدأنا متأخرين. وقد تكون المشكلة أكثر تحديدًا مما نظن.
ربما تنقصنا مهارة يمكن تعلمها أو نحتاج إلى خطة أوضح أو وقت أطول للتدريب. وربما كانت الظروف المحيطة بنا أصعب من أن تسمح بالنتيجة التي توقعناها في تلك المرحلة.
لهذا أرى أن مراجعة المحاولة تحتاج إلى شيء من الهدوء والإنصاف. ماذا فعلت؟ وما الذي لم ينجح؟ وما الذي أستطيع تغييره في المرة القادمة؟ هذه الأسئلة تمنحنا فرصة للتحرك بدل أن نحاصر أنفسنا باللوم.
ولا يلزم أن نواجه كل ذلك وحدنا. فقد يختصر توجيه من صاحب خبرة حيرة طويلة وقد تساعدنا كلمة صادقة من شخص قريب على رؤية تقدم لم نعد نلاحظه.
المسافة بين تجربتنا وتجارب الآخرين
نرى إنجازات الآخرين في لحظة إعلانها بينما نعيش تفاصيل محاولاتنا يومًا بيوم. نعرف تعبنا وتأجيلنا وترددنا لكننا لا نعرف دائمًا الظروف التي سبقت وصولهم.
وحين نقارن الصورتين قد تبدو حياتنا أبطأ مما ينبغي. ننسى ما نحمله من مسؤوليات وما احتجنا إلى تجاوزه حتى نصل إلى مكاننا الحالي.
يمكن لتجارب الآخرين أن تعلّمنا وتفتح أمامنا احتمالات جديدة. لكننا نحتاج إلى العودة إلى واقعنا عند وضع خططنا. فالخطوة المناسبة لنا هي التي تراعي قدراتنا وظروفنا وتقرّبنا من هدف نؤمن به.
وقد يكون التقدم في بعض المراحل إنجاز مشروع كامل وفي مراحل أخرى مجرد العودة إلى المحاولة بعد انقطاع.
ما تعلّمنا إياه المسافات الجديدة
تضعنا الدراسة بعيدًا عن الوطن أمام تفاصيل تتجاوز القاعات والكتب. نتعلم تنظيم أيامنا والتعامل مع اختلاف اللغة والثقافة وبناء علاقات جديدة. ونحاول وسط ذلك أن نحافظ على صلتنا بأهلنا وبالأشياء التي تمنحنا الطمأنينة.
ومن موقعي كطالبة سعودية مبتعثة أدرس ماجستير التربية في أستراليا أجد أن الحديث عن الطموح يرتبط أيضًا بهذه التفاصيل اليومية. فخلف كل هدف حياة كاملة تحتاج إلى اهتمام ومسؤوليات لا تختفي لأن لدينا حلمًا نريد تحقيقه.
وفي الكتابة أجد مساحة للتأمل في هذه التجارب وفهم ما تتركه فينا. بعض المواقف لا تتضح معانيها أثناء حدوثها. نحتاج إلى أن نهدأ قليلًا ثم ننظر إليها من جديد لنرى ما تعلمناه وما نريد أن نحمله معنا إلى المرحلة التالية.
أن نترك للحياة مساحة
حين تزدحم الأيام قد تصبح الراحة أول ما نتخلى عنه. نؤجل لقاءً نحبه أو نختصر نومنا أو نحمل مهامنا معنا إلى كل لحظة هادئة. ومع تكرار ذلك تضيق الحياة حول هدف واحد.
نحتاج إلى حدود تساعدنا على الاستمرار. وقت للعمل ووقت نتوقف فيه عنه وأهداف يمكن تنفيذها ومساحة نراجع فيها احتياجاتنا دون شعور دائم بالذنب.
وقد نحتاج كذلك إلى تعديل الطريق. فالخبرة تكشف لنا جوانب لم نكن نعرفها عند البداية وقد يتغير ما نريده مع الوقت. يستحق هذا التغيّر أن نفهمه قبل أن نحكم عليه وأن نمنح أنفسنا فرصة لاتخاذ قرار يناسب ما أصبحنا نعرفه.
أريد أن يظل في حياتي مكان للتعلم والكتابة والطموح ومكان أيضًا لعائلتي وصداقاتي ولحظات يومية لا أنتظر منها إنجازًا.
فالسعي الذي أتمناه هو الذي أستطيع أن أواصل فيه النمو دون أن أتجاهل احتياجاتي. أن أفرح بخطوة صغيرة وأن أتعلم من تعثر وأن أستريح حين أتعب ثم أعود بقدرة أكبر على الاستمرار.
وحين أصل إلى شيء تمنّيته أريد أن أكون حاضرة لأعيشه وأفرح به. وأن أجد أن الطريق أضاف إلى حياتي معرفة وتجارب ومعنى وأنني عشت خلاله أيضًا.




Leave a Reply